ابن أبي الحديد

110

شرح نهج البلاغة

فقابل الظلم بالمغفرة ، وهي مخالفة له ، ليست مثله ولا ضده ، وإنما الظلم ضد العدل ، إلا أنه لما كانت المغفرة قريبة من العدل حسنت المقابلة بينها وبين الظلم ، ونحو هذا قوله تعالى : " أشداء على الكفار رحماء بينهم " ( 1 ) ، فإن الرحمة ليست ضدا للشدة ، وإنما ضد الشدة اللين ، إلا أنه لما كانت الرحمة سببا للين حسنت المقابلة بينها وبين الشدة . وكذلك قوله تعالى : " إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا " ( 2 ) ، فإن المصيبة أخص من السيئة ، فالتقابل هاهنا من جهة العموم والخصوص . الوجه الثاني : ما كان بين المقابل والمقابل بعد ، وذلك مما لا يحسن استعماله ، كقول امرأة من العرب لابنها ، وقد تزوج بامرأة غير محمودة : تربص بها الأيام عل صروفها * سترمي بها في جاحم متسعر ( 3 ) فكم من كريم قد مناه إلهه * بمذمومة الأخلاق واسعه الحر . ف‍ " مذمومة " ليست في مقابلة " واسعة " ، ولو كانت قالت : " بضيقة الأخلاق " ، كانت المقابلة صحيحة ، والشعر مستقيما . وكذلك قول المتنبي : لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها * سرور محب أو مساءة مجرم ! ( 4 ) فالمقابلة الصحيحة بين المحب والمبغض ، لا بين المحب والمجرم . قلت : إن لقائل أن يقول : هلا قلت في هذا ما قلت في السيئة والمصيبة ! ألست القائل إن : التقابل حسن بين المصيبة والسيئة ، لكنه تقابل العموم والخصوص ! وهذا الموضع مثله أيضا ، لان كل مبغض لك مجرم إليك ، لان مجرد البغضة جرم ، ففيهما عموم وخصوص . بل لقائل أن يقول : كل مجرم مبغض ، وكل مبغض مجرم ، وهذا صحيح مطرد .

--> ( 1 ) سورة الفتح 29 . ( 2 ) سورة التوبة 50 . ( 3 ) من أبيات نسبها أبو تمام في الحماسة إلى أم القحيف . شرح التبريزي ( 4 : 34 ) والجاحم : النار الشديدة التأجج . ( 4 ) ديوانه 4 : 141 .